ابن كثير
55
البداية والنهاية
عيشنا حتى نستوي في الكفاف ، ولوددت أنكم علمتم من نفسي مثل الذي وقع فيها لكم ، ولست معلمكم إلا بالعمل ، إني والله لست بملك فأستعبدكم ، ولكني عبد الله عرض علي الأمانة فإن أبيتها ورددتها عليكم واتبعتكم حتى تشبعوا في بيوتكم وترووا سعدت بكم ، وإن أنا حملتها واستتبعتكم إلى بيتي شقيت بكم ، ففرحت قليلا وحزنت طويلا ، فبقيت لا أقال ولا أرد فأستعتب ( 1 ) . وقال سيف عن شيوخه قالوا : وكانت العرب من العذيب إلى عدن أبين ، يتربصون وقعة القادسية هذه ، يرون أن ثبات ملكهم وزواله بها ، وقد بعث أهل كل بلدة قاصدا يكشف ما يكون من خبرهم ، فلما كان ما كان من الفتح سبقت الجن بالبشارة إلى أقصى البلاد قبل رسل الانس فسمعت امرأة ليلا بصنعاء على رأس جبل وهي تقول : فحييت عنا عكرم ابنة خالد * وما خير زاد بالقليل المصرد وحييت عني الشمس عند طلوعها * وحييت عني كل تاج مفرد وحيتك عني عصبة نخعية * حسان الوجوه آمنوا بمحمد أقاموا لكسرى يضربون جنوده * بكل رقيق الشفرتين مهند إذا ثوب الداعي أناخوا بكلكل * من الموت مسود الغياطل أجرد ( 2 ) قالوا : وسمع أهل اليمامة مجتازا يغني بهذه الأبيات : وجدنا الأكرمين بني تميم * غداة الروع أكثرهم ( 3 ) رجالا هموا ساروا بأرعن مكفهر * إلى لجب يرونهم ( 4 ) رعالا بحور للأكاسر من رجال * كأسد الغاب تحسبهم جبالا تركن لهم بقادس عز فخر * وبالخيفين أياما طوالا مقطعة أكفهم وسوق * بمرد حيث قابلت الرجالا ( 5 ) قالوا : وسمع ذلك في سائر بلاد العرب ، وقد كانت بلاد العراق بكمالها التي فتحها خالد نقضت العهود والذمم والمواثيق التي كانوا أعطوها خالدا ، سوى أهل بانقيا وبرسما ، وأهل أليس الآخرة ثم عاد الجميع بعد هذه الوقعة التي أوردناها ، وادعوا أن الفرس أجبروهم على نقض
--> ( 1 ) انظر الطبري 4 / 144 - 145 . ( 2 ) في الطبري : من الموت تسود الغياطل مجرد . ( 3 ) في الطبري : أصبرهم . ( 4 ) في الطبري : فزرتهم . ( 5 ) انظر الأبيات في الطبري 4 / 144 ، وذكرها ابن الأثير في الكامل - باختلاف ونسبها إلى عمرو بن شأس الأسدي 2 / 472 .